اسماعيل بن محمد القونوي

170

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( باستقباحه ) متعلق بصار أي تحول وانقلب حاله إلى الكفر بسبب استقباحه ( أمر اللّه تعالى ) إذ الاستقباح إنكار وهو كفر ولك أن تقول إنه متعلق بكان في علم اللّه أيضا فإن علمه تعالى في الأزل بأنه سيكون كافرا بسبب استقباح أمره تعالى ( إياه بالسجود لآدم اعتقادا بأنه أفضل منه والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به كما أشعر به قوله أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ جوابا لقوله تعالى ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ ص : 75 ] . قوله : ( لا بترك الواجب وحده ) فإنه لا يوجب الكفر عند أهل السنة إذ عدم فعل الفرض واكتساب المعاصي بدون إنكار واستحلال لا يضر الإيمان عندهم . قوله : ( والآية تدل ) وهذه المسألة قد مر بيانها لكن ذكرها لتمهيد بيان إبليس ولتقييده بقوله ولو من وجه تدل ( على أن آدم أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له ) سواء كان السجود له بالمعنى اللغوي أو جعل قبلة أو المراد السعي في خدمته أما في الأول والثالث فظاهر وأما على الثاني فلأنه لما دل جعل الكعبة قبلة على أنها أفضل البقاع كذلك جعله قبلة لسجودهم يدل على أفضليته ومثل هذا كاف في هذا المطلب . قوله : ( ولو من وجه ) لأنه لا يلزم التفضيل من كل الوجوه ولا ندعي أيضا ذلك فإنهم قد يفضلون بحسب التجرد عن العلائق الجسمانية والقرب منه تعالى قربا معنويا وعليه يحمل قول المصنف في سورة النبأ حيث قال فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من اللّه تعالى وقال مولانا سعدي هناك ليس المراد بالأفضلية الأكثرية ثوابا حتى يخالف لما قوله : بالتخضع ناظر إلى أن المراد بالسجود المأمور به المعنى اللغوي وأن المسجود له آدم على ما هو الظاهر وقوله والتوسل به ناظر إلى أن يراد به معناه الشرعي والمسجود له اللّه تعالى وآدم سبب وجوب السجود عليهم بكون خلقه نعمة عليهم لكونه ذريعة أي وسيلة إلى كمالاتهم ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه وهو العلم بالأسماء والجهل بها . قوله : لا بترك الواجب عطف على باستقباحه أي كان من الكافرين بسبب استقباحه أمر اللّه تعالى لا بتركه السجود الواجب عليه بالأمر لأن ترك الواجب من حيث هو بلا استحلال له ليس بكفر وإنما كفره هو استقباحه أمر اللّه تعالى إعجابا واستكبارا على آدم معتقدا أنه أفضل منه . قوله : والآية تدل على أن آدم أفضل من الملائكة فإنها دلت على أن آدم علم الأسماء والملائكة عجزوا عنه . قوله : ولو من وجه فإن آدم أفضل منهم في علمه بالأسماء واستعداده بما أودع في تركيبه من المزايا والخواص من الكمالات ما يقصر عنها الملائكة ومفضول عنهم فيما فهم من الاستغراق في عبادة المولى والعصمة عن الذنوب كلها ولطافة أجسامهم عند قوم وتجردهم عن المادة والأمور الجسمانية عند آخرين وغير ذلك قوله وإن إبليس كان من الملائكة هذا المعنى مستفاد من كلمة إلا لأن الظاهر أنها للاستثناء المتصل المنبىء عن دخول إبليس في الملائكة أو لو لم يكن منهم لا يكون داخلا في حيز الأمر بالسجود وحينئذ لا يصح استثناؤه منهم وللمانع أن يرجع إلى معنى التقليب على ما يذكره .